نعيش اليوم مخاضًا وجوديًا على مستوى جماعي، حالة من التصدع العميق تعصف بالمجتمعات كافة. لا شيء يبدو كما كان. فـ"المؤمن" بات يستنجد بالمطلق في وجه الحيرة، و"الملحد" يراهن على العقل وحده في عالم تتهاوى فيه المعايير. أما "العابر"، فيتلّمس طريقه بين الشك واليقين، باحثًا عن معنى يتجاوز حدود المألوف. وفي زاوية معتمة، يقف "اللامبالي"، غارقًا في يومياته، يتشبث بلحظة سكينة زائفة.
تفككت الروابط، وذابت المعايير القديمة. الأسرة لم تعد كما كانت، والعلاقات الاجتماعية باتت مشوشة، هشّة، تفتقر للدفء والثبات. التكنولوجيا التي وعدتنا بالوصال أوهمتنا بالاتصال، لكنها عمّقت العزلة. أصبح كل فرد يسير وحيدًا، حاملًا تساؤلاته وألمه، في عزلة شعورية قد لا تُرى بالعين، لكنها تُحَس في العمق.
كأننا في غرفة كونية واحدة، تتقاطع فيها الأوجاع، وتتوالى فيها الصرخات والأنفاس المتقطعة، وكأن البشرية بأسرها تتمزق وتتوسّع، استعدادًا لولادة كبرى... لشيء جديد لم يُسَمَّ بعد، لكنه آتٍ.
على سرير ولادة، يتلوّى جسد الإنسانية، يتمزق ويتوسع، في انتظار ميلاد العصر الجديد.
وهنا، يبرز السؤال: هل سنبقى متفرجين على هذه المعاناة التي تطالنا جميعًا؟ أم آن الأوان لأن نتحرك معًا، بحثًا عن مخرج مشترك؟
ليست هذه مجرد أزمة عابرة، إنها لحظة تاريخية، لحظة وعي تُنتزع من رحم الألم، وتصاغ بشجاعة السؤال. من يجرؤ على خوض اشتباكه الصادق مع الداخل قبل أن يهاجم الخارج؟ من يملك الشجاعة ليداوي ذاكرته من تشوهات التاريخ، ويتجرد من سلاح الهوية ليمشي أعزل نحو الإنسان؟
فولادة العصر الجديد لا تأتي من رحم التكرار، بل من رحم الأسئلة المؤلمة، ومن صمت طويل يسبق صرخة الإدراك. عصر لا يُبنى بالخطابات، بل بالحالمين الذين لا يحتمون بالأمل بل يصنعونه، وبالعقلاء الذين لا يخافون الجنون، وبالمؤمنين بالحياة، لا بالخلاص المؤجل.
عصر لا يليق به إلا من نجا من الغفلة، ونزع أقنعة الخوف، ووقف عاريًا في وجه الحقيقة، مستعدًا لاحتضانها كما هي، لا كما يتمنى.
ربما ما نمرّ به اليوم من ألم واضطراب ليس عبثًا، بل له معنى أعمق مما يبدو على السطح.
خلف كل هذا التوتر والتصدع، هناك حركة خفية تُعيد تشكيل وعي البشرية، وتدفعها نحو مرحلة جديدة من النضج. ما يحدث ليس مجرد فوضى، بل علامة على نهاية مرحلة تاريخية وبداية أخرى. مرحلة تحتاج من الإنسان أن يكون أكثر استعدادًا لسماع نداء جديد، نداء لا يُقال بصوت عالٍ، بل يُسمع في داخل من يبحث عن معنى مختلف، يتجاوز ما تعوّد عليه.
إنه وقت التحول. وقت نطرح فيه الأسئلة الصعبة، ونتخلى فيه عن الأجوبة الجاهزة.
هناك دعوة غير مرئية تتجه نحو كل من يشعر أن العالم كما نعرفه لم يعد كافيًا، وأن شيئًا جديدًا يُولد، ببطء ولكن بثبات.
ويبقى السؤال :
هل نملك الشجاعة لنُصغي؟ وهل نحن مستعدون فعلاً لولادة هذا العصر الجديد؟
تحرير: نصرة بنعمار

نصرة بنعمار
صحفية و كاتبة رأي مغربية, تركز على الحوار بين الأديان و التعايش و المواطنة.
أؤمن بأن التعايش ليس خيارًا بل ضرورة روحية وأخلاقية في عالم يحتضن التعدد والتنوع. أكتب ليس فقط كصحفية وكاتبة رأي، بل كروح تبحث في عمق الوعي الإنساني، تساءل العالم وتستنطق معانيه. في هذا الركن من مدونتي، أشارك تأملاتي الفكرية والفلسفية، حيث يلتقي السؤال بالشك، والبحث بالبحث عن معنى جديد يتجاوز السطحيات. الرؤية هنا ليست يقينًا مفروضًا، بل دعوة للتفكر، للغوص في أسئلة الإنسان وجوديًا وروحيًا، وللارتقاء نحو وحدة تنبع من الاختلاف.
التعليقات
مقالات ذات صلة

التنوع الديني كأساس الوحدة المجتمعية
لم يكن التاريخ المغربي مجرد سلسلة من الفترات الزمنية التي تضاف إلى بعضها البعض، بل هو تجربة حية، تعكس قدرة الشعب المغربي على احتضان التنوع وتحويله إلى عنصر قوة تعزز الوحدة الوطنية. في ظل التحديات المعاصرة المتعلقة بالتعددية، يبقى النموذج المغربي بمثابة مصدر إلهام يجسد إمكانيات التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين المعتقدات والهويات المختلفة.

شهر العلاء ورمضان: اتحاد الروح والزمان
في هذا التزامن الروحي الفريد، حيث يلتقي شهر العلاء، شهر صيام البهائيين، بشهر رمضان، تنفتح أمام أرواحنا آفاق تتجاوز حدود الزمان والمكان، كأنهما نوران يتداخلان في فضاء الروح، يدعوان الإنسان إلى رحلة أعمق نحو ذاته، نحو جوهره، نحو ذلك السرّ الذي يسكن أعماقه منذ الأزل.
