اقرأ الآن

مدونة نصرة بنعمار

شهر العلاء ورمضان: اتحاد الروح والزمان
دين

شهر العلاء ورمضان: اتحاد الروح والزمان

3 أبريل 2026نصرة بنعمار3 دقائق قراءة

في هذا التزامن الروحي الفريد، حيث يلتقي شهر العلاء، شهر صيام البهائيين، بشهر رمضان، تنفتح أمام أرواحنا آفاق تتجاوز حدود الزمان والمكان، كأنهما نوران يتداخلان في فضاء الروح، يدعوان الإنسان إلى رحلة أعمق نحو ذاته، نحو جوهره، نحو ذلك السرّ الذي يسكن أعماقه منذ الأزل..

شهر العلاء، في هدوئه وجماله، مقام يرتقي فيه القلب نحو مدارج الصفاء. الصيام في هذا الشهر ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تحرر من قيود المادة نحو رحابة المعنى. الجوع هنا هو توقٌ عميق إلى الحقيقة، والعطش ليس مجرد حرمان، بل هو تعطش روحي إلى النور الأزلي. في هذا الشهر، نسمع نداءً يدفع القلوب إلى التوجه نحو الأفق الأسمى، حيث تنكشف الحُجُبات بين الإنسان والمطلق. وهو أيضًا فرصة لتطوير الصفات الروحانية، حيث يعكف الإنسان على تزكية نفسه، فتزداد قيم التواضع، ويتعزز مفهوم العبادة المقرونة بالخدمة.

ثم يأتي رمضان، شهر التجليّ والتطهير، حيث تمتزج ظلمة الليل بوهج الدعاء. يصبح الصيام فيه أكثر من مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، فهو ارتقاء في مدارج التقوى، ولحظة من الحضور الحقيقي مع الذات ومع الخالق. في رمضان، تتلاشى المسافات بين القلب والمطلق، فتتحول ساعات الامتناع إلى لحظات من الامتلاء الروحي. يصبح الصمت لغة تتحدث بين العبد وربّه، ويصير الامتناع عن متع الجسد مفتاحًا للحرية الباطنة.

وفي تزامنهما تتلاقى الأرواح رغم تنوع مساراتها، وتصبح لدينا فرصة نادرة للتعايش والبحث عن الينبوع الواحد.

وفي تزامنهما تتلاقى الأرواح رغم تنوع مساراتها. وتصبح لدينا فرصة نادرة للتعايش وتذكير أنفسنا بأننا جميعًا نشترك في هذا البحث العميق عن النور، عن الحقيقة، عن الينبوع الذي لا ينضب، عن عصر ذهبي خال من جميع التعصبات، حيث تتحقق المساواة والعدل ووحدة الإنسانية. إنه نداء مزدوج، كأنهما مرآتان تعكسان بعضهما البعض، تهمسان للإنسان أن يعيد اكتشاف عطشه الحقيقي بسؤال يتجاوز الحواس: أي جوع هذا الذي لا يشبعه الخبز؟ وأي ظمأ هذا الذي لا يرويه الماء؟ إنه جوع الروح إلى المعنى، وظمؤها إلى اليقين، إلى النور الذي يسري في ملكوت الوجود ولا ينطفئ.

في هذا التزامن، يصبح الصيام لحظة كونية تنسج خيوط التعايش والتآلف، حيث يلتقي الصائم والمتأمل، الباحث عن المعنى والمتعطش للنور في فضاء واحد من التأمل والتجرد. لا اختلاف إلا في الطرق، أما الوجهة فهي واحدة: نحو النور، نحو الحقيقة، حيث تدوب الفوارق وتنتصر الإنسانية.

تحرير: نصرة بنعمار


شارك المقال:
نصرة بنعمار

نصرة بنعمار

صحفية و كاتبة رأي مغربية, تركز على الحوار بين الأديان و التعايش و المواطنة.

أؤمن بأن التعايش ليس خيارًا بل ضرورة روحية وأخلاقية في عالم يحتضن التعدد والتنوع. أكتب ليس فقط كصحفية وكاتبة رأي، بل كروح تبحث في عمق الوعي الإنساني، تساءل العالم وتستنطق معانيه. في هذا الركن من مدونتي، أشارك تأملاتي الفكرية والفلسفية، حيث يلتقي السؤال بالشك، والبحث بالبحث عن معنى جديد يتجاوز السطحيات. الرؤية هنا ليست يقينًا مفروضًا، بل دعوة للتفكر، للغوص في أسئلة الإنسان وجوديًا وروحيًا، وللارتقاء نحو وحدة تنبع من الاختلاف.

تواصل معي:

التعليقات

مقالات ذات صلة

آلام ولادة عصر جديد
مجتمع
3 أبريل 2026

آلام ولادة عصر جديد

نعيش اليوم مخاضًا وجوديًا على مستوى جماعي، حالة من التصدع العميق تعصف بالمجتمعات كافة. لا شيء يبدو كما كان. فـ"المؤمن" بات يستنجد بالمطلق في وجه الحيرة، و"الملحد" يراهن على العقل وحده في عالم تتهاوى فيه المعايير. أما "العابر"، فيتلّمس طريقه بين الشك واليقين، باحثًا عن معنى يتجاوز حدود المألوف. وفي زاوية معتمة، يقف "اللامبالي"، غارقًا في يومياته، يتشبث بلحظة سكينة زائفة.

ن
نصرة بنعمار
التنوع الديني كأساس الوحدة المجتمعية
دين
3 أبريل 2026

التنوع الديني كأساس الوحدة المجتمعية

لم يكن التاريخ المغربي مجرد سلسلة من الفترات الزمنية التي تضاف إلى بعضها البعض، بل هو تجربة حية، تعكس قدرة الشعب المغربي على احتضان التنوع وتحويله إلى عنصر قوة تعزز الوحدة الوطنية. في ظل التحديات المعاصرة المتعلقة بالتعددية، يبقى النموذج المغربي بمثابة مصدر إلهام يجسد إمكانيات التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين المعتقدات والهويات المختلفة.

ن
نصرة بنعمار